نذير حمدان
112
حكمة القرآن والحضارة
تمكنت هذه الحكمة من القلوب والأعمال فنجح الأنبياء في التبليغ والإصلاح أو لم تتمكن ولم ينجحوا فإن إمامتهم تظل أصدق قدوة وأخلص إمامة وأرسخ مبدأ في عالم المثل والتصورات . . حيث تبقى خالدة متدفقة العطاء وإن تخلى أصحابها عنها وتنكّروا لها ، فإن استمرارية الحق على الحق وبقاء الخير على الخير هي مشاعل الإنسانية ومنارات المبدئية التي تفضل العنصر البشري على سائر المخلوقات ، وتسمو مبادئ الحق والخير فوق الأشخاص والاعتبارات ، ويتجلى هذا في تهديد اللّه للكافرين والجاحدين أن يستبدل بهم الأجيال الصالحة القادمة التي تستنير بمبادئهم وتهتدي بهداهم . وذلك ما حققه الإسلام باعتباره مجمع الأديان وخاتمها ، فمن خلال حكمة القرآن والسنّة المفسرة والشاملة لحكمة النبوات والأديان تتجه حضارته إلى العالم في حيوية وسمو وحكمة وقدرة قادرة على التحصين والبناء . ومن ناحية ثانية فإن ( التصرفات ) العملية الحكيمة بادية صريحة في القرآن يمكن أن تحتذى نصا وروحا ، فمن ذلك : اتخاذ اللّه إبراهيم خليلا ( النساء 125 ) وهي خلّة دالّة على الحصافة والحكمة قد ظهرت في أعمال كثيرة أذكر منها : تكسير إبراهيم الأصنام في معبد القوم الوثني إلّا كبيرهم ( الأنبياء 60 - 62 ) حتى نكسوا ورجعوا إلى أنفسهم ، وإفحام الخصم حين قال له : أنا أحيي وأميت ، ورده عليه بأن اللّه يأتي بالشمس من المشرق شرقا فليأت المتطاول بها غربا فبهت الذي كفر ( البقرة 258 ) ، وموسى حين طلب من السحرة أن يلقوا عصيهم وحبالهم أولا لكي يرى الحضور معجزته ( الأعراف 115 ) و ( الشعراء 43 ) ، وداود وسليمان يحكمان في الحرث ( الأنبياء 78 ) ويوسف في إخفاء الصواع ( يوسف 72 ) . إن التصرف الحكيم يتجاوز القول الحكيم فيبرز إمكانية التمثّل العاقل والعمل النموذج الذي يقنع الصديق والعدو ، القريب والبعيد ويجعل الحكمة شيئا محسا ملموسا متعاملا بها مع الأحداث معايشا لها مع الواقع ، وأكثر إقناعا وأفحم حجة . فالمنطق العملي أقوى نفوذا من المنطق النظري ، والقدوة الفعلية أرسخ وأمضى من القدوة القولية ، فما بالك إذا اجتمع المنطقان وترافقت القدوتان ؟